الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ألقى بكل الاحتمالات في صرة المسرح الجغرافي الذي يمتد من شبه القارة الهندية جنوباً وشرقاً بتماس مع حدود الصين و إيران غرباً؛ على مقربة بسيطة من منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطي شمالاً (طاكستان - أوزباكستان - تركمنستان)، وعلي مقربة من روسيا..
ربما ستذهب الظنون إلى أن أمريكا قد انسحبت لتترك ورائها لغماً هائلاً، قبل أن ينفجر في جنودها وجنرالاتها.. وربما تذهب الظنون أيضاً إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد نصبت مصيدة هائلة مفخخة للتنين الصيني؛ تخلصها من كابوس الحزام والطريق نهائياً عن طريق نقطة عبور (الحزام) الحيوية إلى وسط آسيا، فروسيا ونقطة مرور (الطريق) من جنوب باكستان المطلة علي المحيط الهندي والتي تمثل المنصة الأساسية التي يمر من مياها (الطريق) ومن أراضيها (الحزام)، وبالتالي فهي مفتاح (المحبس) بالنسبة لانطلاق التنين الصيني الذي سيدمر في طريق هيمنته على التجارة العالمية فرص الولايات المتحدة الأمريكية في الهيمنة علي الاقتصاد العالمي، ومن ثم سيسهم بشكل في تدمير الحلم الإمبراطوري الأمريكي.
وربما سيسهل حينذاك التساؤل حول إذا ما كانت ستطال شظايا هذه المصيدة الجهنمية الدب الروسي الذي لم تبارح ذاكراته آلام وجراح انهيار الاتحاد السوفييتي الذي انطلقت شواهده الأولي من خسارة الحرب الأفغانية التي فخختها الولايات المتحدة له بذكاء افتقد هو مجاراته؛ فكانت النتيجة هي مشهد الانسحاب المهين الحزين للجنود السوفييت من أفغانستان؟ أليست أفغانستان كما رآها كبار مخططي الاستراتيجيات العسكرية الأمريكية هي (مقبرة الإمبراطوريات الكبري)؟
كل هذه ظنون مبدئية تخص تفسير الدوافع الأمريكية للانسحاب من أفغانستان.. ولكن أيضاً لا يجب أن نستبعد بأن الصين ليست الاتحاد السوفييتي، وليست الولايات المتحدة الأمريكية، وليست اليابان، وروسيا البراجماتية لم تعد هي الاتحاد السوفييتي، وهي لم تستبعد دروس إخفاقاته من ذاكرة عمق ماكينة الدولة الروسية..
أيضاً من يعرف العقلية الصينية جيداً؛ يعلم أن ميراثاً راسخاً من الحكمة العميقة هو أهم مكوناتها وأحد أهم الأسس التي ينبني عليها العقل السياسي الصيني، وأن جانباً مهماً من نجاحات الصين في العقود الأخيرة؛ يرجع إلى هذه العقلية وإلى رسوخ عناصر الصبر وعدم الاندفاع وتحديد المنفعة على نحو دقيق؛ يساويه تقدير الأضرار وبناء الطموحات بناء علي حسابات الحقائق الأرضية لا الأفكار المغرية في العقل السياسي للدولة الصينية.
أيضاً.. لا يجب أن نستبعد أننا ربما قد نكتشف في قراءة زمنية لاحقة أن هذا الانسحاب كان جزءاً من سياق هزائم الهيمنة الأمريكية على العالم، وأنه يمكن قراءة الفترة الزمنية التي تبدأ من 11 سبتمبر 2001 إلى 11 سبتمبر 2021؛ كفترة زمنية تسجل بداية أفول الإمبراطورية الأمريكية وولوج أحلام الهيمنة الأمريكية علي العالم إل مرحلة التراجع، ذلك لأن السؤال الآن لم يصبح هو:
- هل سستراجع الهيمنة الأمريكية على العالم؟ بل أصبح السؤال هو:
- في أي منطقة زمنية من هذا القرن سيشهد العالم زوال الحلم الإمبراطوري الأمريكي الذي أطلقه أحد أهم آباء أمريكا المؤسسين الرئيس (توماس جيفرسون) في بدايات القرن التاسع عشر؟
ويبدو أن طاقة هذا الحلم الإمبراطوري قد استنفذت تماماً بعد مرور قرن كامل.. ليأتي هذا القرن شاهداً علي انتهاء إمبراطورية كبري شأن إمبراطوريات أخرى؛ شهد التاريخ علي صعودها وازدهارها ثم كان شاهداً على أفولها وانتهائها..
لعل الأيام والشهور والسنون والحقب تجعل بصائرنا شاهدة علي صنع التاريخ لحقائقه العنيدة.

